السيد نعمة الله الجزائري

51

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم ، وقيل لهم اصبروا فلعن اللّه من مد طرفه ، أو حل حبوته واتقى بيد أو رجل ، فيقولون آمين ، فقتلوهم إلى المساء ، حتى دعا موسى وهارون وقالا ، يا رب هلكت بنو إسرائيل ، البقية ، البقية ، فكشفت السحابة ونزلت التوبة فسقطت الشفار من أيديهم ، وكانت القتلى سبعين ألفا ، وكانوا أيضا يقرضون لحومهم بالمقاريض عند إصابة البول لها . « ما لا طاقة لنا » وهم كانوا يطيقونه بمشقة . « يجشّمنا » أي يكلفنا . « هلك عليه » قيل إن الظرف في موضع الحال ، وعلى للضرر ، أي ليس الهالك على الحقيقة المستحق للعقاب الدائم إلا من هلك حال كونه خصما عليه ، كمن قابله في ادعاء الربوبية والمذنبين المقرين بذنوبهم ، والأظهر أن معنى عليه على يديه وعلى بابه ، كما يقال هلك زيد على عمرو ، أي كان هو المهلك له ، أو السبب في إهلاكه ، وحاصل المعنى أن الذي يستحق إطلاق اسم الهالك عليه هو الذي تهلكه أنت ، إما لشدة ذلك الهلاك ، أو لأنك أكرم الأكرمين فالويل لمن تهلكه ، واعلم أن الهالكين هم أهل الدرجة الأولى من درجات الآخرة ، لأنها أربع درجات ، الهالكون ، والمعذبون ، والناجون ، والفائزون ، ومثاله من الدنيا أن يستولي سلطان على إقليم ، فيقتل بعضهم فهم الهالكون ، ويعذب بعضهم ولا يقتلهم فهم المعذبون ، ويخلي بعضهم فهم الناجون ، ويخلع على بعضهم فهم الفائزون ، فإن كان الملك عادلا لم يقسمهم كذلك إلا بالاستحقاق ، فلا يقتل إلا من عانده في الدولة ، ولا يعذب إلا من قصر في الخدمة مع اعترافه باستحقاق السلطان لها ، ولا يخلي إلا من اعترف له برتبة الملك لكنه لم يقصر فيعذب ، ولم يخدم فيخلع عليه ، ولا يخلع إلا على من خدم ، ثم أن مراتب الفائزين تتفاوت بحسب تفاوت خدماتهم كتفاوت درجات الهالكين والمعذبين ، فأما الرتبة الأولى فهم الآيسون من رحمته تعالى ، إذ الذي قتله السلطان في ذلك المثال آيس من رضى الملك وإكرامه ، وهذه الدرجة لا تكون إلا للجاحدين المكذبين باللّه ورسوله ، وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ، فهم محترقون مع نار جهنم بنار الفراق التي هي أشد ، فإنها نار اللّه الموقدة المطلعة على الأفئدة ، فنار جهنم تحرق الأجساد